أحمد بن علي القلقشندي

197

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المجازاة . والشّكر من أكبر أبواب الأمانة ، وأبعده من أسباب الخيانة ؛ ولن يبلغ أحد في ذلك غاية المجد إلا بمعونة الطمع ، وإلا الحرب سجال بينهما ، والظَّفر مقسوم عليهما . كذلك حكم الأشياء إذا تساوت في القوّة ، وتقاربت في بلوغ المدّة . وقد زعم ناس أن الشّاكر والمنعم لا يستويان ، كما أن الباديء بالظَّلم والمنتصر لا يعتدلان ، لأنّ الباديء أخذ ما ليس له ، والمنتصر لم يتجاوز حقّه الذي هو له ، ولأن الباديء لم يكن مهيّجا على الظَّلم بعلَّة جناها المنتصر ، والمنتصر مهيج على المكافأة بعلَّة جناها الباديء ، والمثوّر للطباع المغضب ، والمستخفّ المهيّج أعذر من السّاكن الوادع المطمئن . فلذلك قالوا : إن الباديء أظلم ، والمنتصر أعذر . وزعموا أن المنعم هو الذي أودع صدر الشاكر المحبّة بإنعامه عليه ، وهيّجه بذلك على مكافأته لإحسانه إليه ، فقد صار المنعم شريك الشّاكر في إحسانه ، وتفرّد بفضل إنعامه دون مشاركة غيره ؛ والمنعم هو الذي دفع للشاكر أداة الشّكر ، وأعاره آلة الوفاء ، فهو من ههنا أحقّ بالتقديم ، وأولى بالتّفضيل . هذا ، وقد قال بعض الحكماء والأدباء والعلماء : من تمام كرم المنعم التّغافل عن حجّته ، والإقرار بالفضيلة لشاكر نعمته ، لأن المحاجّة مغالبة ، ولا تتمّ مودّة إلا مع المسامحة . ولذلك قال الرّبعيّ لناس من العرب يختصمون : هل لكم في الحقّ أو خير منه ؟ قالوا : قد عرفنا الحقّ ، فما الذي هو خير منه ؟ قال : التّغافل فإنّ الحقّ مرّ . ألا ترى إلى بنت هرم بن سنان لما قالت لابنة زهير بن أبي سلمى في بعض المناحات ، أو في بعض المزاورات : إنّه ليعجبني ما أرى من حسن شارتكم ، ونقاء نفحتكم . قالت ابنة زهير : أما واللَّه لئن قلت ما قلت ، فما ذلك إلا من فضول ما وهبتم ، ومن بقايا ما أنعمتم . قالت بنت هرم : لا بل لكم الفضل ، وعلينا الشّكر ؛ أعطيناكم ما يفنى ، وأعطيتمونا ما يبقى . وقيل لعبد اللَّه بن جعفر حين أجزل لنصيب الشّاعر في الهبة ، وكثّر له في العطيّة : أتنيل هذا العبد الأسود كلّ هذا النّيل ، وتحبوه بمثل هذا الحباء ؟ فقال عبد اللَّه بن جعفر : أما واللَّه لئن كان أسود الجلد إنه